2. 2. تاريخ الآرامية

2. الآرامية > 2. 2. تاريخ الآرامية

2. 2. 1. أهميتها:

تعتبر اللغة الآرامية ذات أهمية كبيرة بالنسبة لأتباع كثير من الديانات والمعتقدات، أهمها:

أ. المسيحية:

اللغة الآرامية هي لغة مقدسة بالنسبة للمسيحيين فهي لغة يسوع المسيح وأمه مريم العذراء وتلاميذه والمسيحيين الأوائل.

وقد ورد عدد كبير من الكلمات الآرامية كما هي في العهد الجديد المكتوب باليونانية، وهذه بعض الأمثلة فقط:

  • إنجيل متى 27: 46 “ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: «إيلي، إيلي، لما شبقتني؟» أي: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟”
  • إنجيل مرقس 5: 41 “وأمسك بيد الصبية وقال لها: «طليثا، قومي!». الذي تفسيره: يا صبية، لك أقول: قومي!”
  • إنجيل مرقس 7: 34 “ورفع نظره نحو السماء، وأن وقال له: «إفثا». أي انفتح.”
  • إنجيل مرقس 14: 36 “وقال: «يا أبا الآب، كل شيء مستطاع لك، فأجز عني هذه الكأس. ولكن ليكن لا ما أريد أنا، بل ما تريد أنت».”

كما أن أجزاء من العهد القديم كتبت باللغة الآرامية، وهذه الأجزاء هي:

وفوق كل ذلك نجد عدد لا يحصى من الكتابات والترجمات المسيحية الآرامية المهمة تمتد على طول التاريخ المسيحي.

Daniel 3:26-27. MS in Aramaic language

الشكل 2. 2. 1: سفر دانيال 3: 26-27 مكتوب بالآرامية على ورق الرق (4 ق.م – 68 م) {The Schoyen Collection}

ب. اليهودية:

كانت الآرامية لغة اليهود من القرن الخامس قبل الميلاد وحتى القرن الحادي عشر الميلادي ، وقد كتبوا بها عدداً من كتبهم الدينية وبخاصة التلمود البابلي والترجوم والمدراش وبعض أجزاء من التناخ. كما أن أصل الحرف العبري المربع هو آرامي، حيث اشتق منه في القرن الثاني قبل الميلاد.

ج. السامرية:

كاليهود كانت الآرامية لغة السامريين من القرن الرابع وحتى القرن الرابع عشر الميلادي.

د. الإسلام:

إن التحليل اللغوي لنص القرآن يؤكد تأثره باللغة الآرامية بشكل عام والسريانية بشكل خاص. كما أن أصل الحرف العربي هو آرامي، حيث اشتق منه في القرن السادس الميلادي.

هـ. المندعية (الصابئية):

يتحدث المندعيون بلهجة آرامية شرقية تدعى المندعية، وهي لغة كتبهم الدينية.

و. المانوية:

حيث كتب ماني القسم الأكبر من مؤلفاته باللغة السريانية.

2. 2. 2. الآرامية القديمة:

تمتلك الآراميّة أطول تراث مكتوب وتاريخ موثّق بشكل متواصل بين جميع لغات العالم الحيّة، وتمتد وثائقها المكتوبة على مدى ثلاثة آلاف سنة. حيث يعود تاريخ نقش تل الفخيرية إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وهو يعتبر أقدم نص آرامي تم اكتشافه حتى الآن.

The oldest Aramaic language inscription, Tell Fekheriye

الشكل 2. 2. 2. 1: نقش تل الفخيرية من القرن التاسع ق.م {Abou-Assaf: La statue de Tell Fekherye …}

يطلق على النقوش التي تمتد من القرن التاسع إلى السادس قبل الميلاد “الآرامية القديمة”.

أقدم اللهجات الآرامية:

يمكن التمييز بين ثلاثة لهجات آرامية مختلفة خلال تلك الفترة تتوافق تقريبًا مع المناطق الجغرافية:

  1. اللهجة الاولى تعود الى غرب سوريا في قلب الآراضي الآرامية وبخاصة بين حلب ودمشق، وفيها وجدت معظم النقوش الآرامية القديمة المبكرة (من القرنين التاسع والثامن).
  2. اللهجة الثانية تعود الى مملكة شمأل الواقعة في شمال غربي سوريا.
  3. اللهجة الثالثة تعود الى منطقة تل الفخيرية في شمال غربي سوريا.

توجد أيضًا نصوص آرامية أخرى قليلة وجدت خارج هذه المناطق.

The Early Aramaic scripts

الشكل 2. 2. 2. 2: مقارنة الحروف الآرامية كما جاءت في عدد من أقدم النقوش {Cross: Palaeography and the Date of the Tell Faḫariyeh Bilingual Inscription}

بعد أن فقدت الإمبراطوريتان المصرية والحثية قبضتهما على بلاد الشام في نهاية العصر البرونزي، شكلت القبائل الآرامية دولًا إقليمية صغيرة مستقلة في المنطقة. وقاموا بترقية لغتهم العامية لتصبح اللغة الرسمية بعد تعديل الحروف الأبجدية الفينيقية وتسهيل قرائتها.

فقد تبنى الآراميون الحروف الفينيقية منذ القرن الحادي عشر ق.م، واستخدموها لكتابة لغتهم، ومع الوقت بدأوا في تعديلها وتطويرها حتى أصبح لديهم أبجديتهم الآرامية الخاصة المتمايزة عن الفينيقية منذ القرن التاسع ق.م.

من بين التطويرات التي أجراها الآراميون:

  • نظراً لأن الآرامية تحتوي على أصوات أكثر من عدد الحروف الفينيقية، فقد استخدم الآراميون بعض الحروف لتمثيل أصوات مختلفة في الأصل.
  • كما أن الآراميين قاموا باختراع طريقة للتعبير عن الحروف الصوتية وذلك لتسهيل القراءة ولمنع الالتباس بين الكلمات المتشابهة، فاستخدموا الحرف “ه” للتعبير عن الأصوات /ā/ و /ɛ̄/، والحرف “و” للتعبير عن الصوت /ū/، والحرف “ي” للتعبير عن الصوت /ī/.
  • والآراميون هم من اخترع تقسيم الكلمات عن طريق التباعد (المسافة بين الكلمات) في القرن السابع ق.م، ومنهم انتقل هذا الإختراع الى اليهود الذين تبنو الأبجدية الآرامية وطريقة كتابتها أيضاً.

لغة دولية:

أصبحت الآرامية منذ القرن الثامن قبل الميلاد اللغة الدولية للشرق الأوسط:

  • فحوالي سنة 735 ق.م كتب شخص فينيقي من صور (في لبنان) رسالة الى الملك الآشوري تغلث فلاسر الثالث (في العراق) باللغة الآرامية.
  • وفي سنة 701 ق.م أراد رسل حزقيا ملك يهوذا (في فلسطين) أن يفاوضوا رسول الملك الآشوري سنحاريب باللغة الآرامية.
    سفر الملوك الثاني 18: 26 “فقال ألياقيم بن حلقيا وشبنة ويواخ لربشاقى: «كلم عبيدك بالأرامي لأننا نفهمه، ولا تكلمنا باليهودي في مسامع الشعب الذين على السور».”
  • وفي سنة 604 ق.م تحدث الكلدانيون مع ملك الإمبراطورية البابلية الحديثة نبوخذ نصر الثاني باللغة الآرامية.
    سفر دانيال 2: 1 “وفي السنة الثانية من ملك نبوخذنصر … 4 فكلم الكلدانيون الملك بالأرامية …”
  • وحوالي سنة 600 ق.م كتب أدون ملك عسقلان الكنعاني (في فلسطين) الى الفرعون المصريّ (في مصر) رسالة باللغة الآراميّة.
Aramaic letter of King Adon

الشكل 2. 2. 2. 3: رسالة الملك أدون الآرامية {Naveh: Early history of the alphabet}

2. 2. 3. الآرامية الرسمية:

عندما أسس الملك الأخميني كورش الكبير الإمبراطورية الأخمينية في منتصف القرن السادس قبل الميلاد كانت الآرامية اللغة الدولية للشرق الأوسط منذ فترة طويلة كما رأينا.

Achaemenid empire adopted the Aramaic language

الشكل 2. 2. 3. 1: الإمبراطورية الأخمينية حوالي 500 ق.م {Wikipedia> User: WillemBK}

تبنى الأخمينيون النظام الإداري الذي كان يستعمل في الإمبراطورية البابلية الحديثة، والذي كانت اللغة الآرامية بارزة فيه، وقاموا بإصلاحه وتوحيده في عهد الملك داريوس الأول (522 – 486 ق.م) وخليفته الملك خشايارشا الأول (486 – 465 ق.م).

نتيجة لذلك وخلال تلك الفترة، استمرت اللغة الآرامية محكية في موطنها الأساسي سوريا، بالإضافة الى المكانة المهمة التي احتلتها كلغة الدبلوماسية الدولية على كامل أراضي الإمبراطورية الأخمينية حتى سقوط السلالة الأخمينية على يد الإسكندر الكبير سنة 330 ق.م. وهكذا فقد وصلت في الألفية الأولى قبل الميلاد الى ذروة انتشارها بعد تبنيها من قبل ثلاث إمبراطوريات متتالية:

  • الإمبراطورية الآشورية الحديثة   911 – 609 ق.م
  • الإمبراطورية البابلية الحديثة      626 – 539 ق.م
  • الإمبراطورية الأخمينية الفارسية 550 – 330 ق.م

أدلة:

تم اكتشاف أدلة مباشرة من أنواع مختلفة، معظمها صكوك قانونية ومذكرات اقتصادية ورسائل رسمية وخاصة ونقوش تذكارية وجنائزية في مصر وفلسطين والأردن وشمال الجزيرة العربية (= السعودية) والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان وفي أجزاء مختلفة من آسيا الصغرى (= تركيا).

The first clear attestation of Official Aramaic language

الشكل 2. 2. 3. 2: أقدم مثال واضح عن الآرامية الرسمية يعود لسنة 495 ق.م {Sachau: Aramäische Papyrus aus Elephantine}

سفر عزرا 4: 7 “وفي أيام أرتحشستا [*] كتب بشلام ومثرداث وطبئيل وسائر رفقائهم إلى أرتحشستا ملك فارس. وكتابة الرسالة مكتوبة بالأرامية ومترجمة بالأرامية.”

[*] أرتحشستا (أرتحششتا الأول) (465 – 424 ق.م) هو خامس الملوك الأخمينيين.

لم يتوقف استخدام اللغة الآرامية كلغة الدبلوماسية الدولية مع سقوط الإمبراطورية الأخمينية، فالإمبراطور الهندي أشوكا (268 – 233 ق.م) كتب ستة نقوش باللغة الآراميّة في ما أصبح اليوم أفغانستان وباكستان.

One of Ashoka Aramaic inscriptions

الشكل 2. 2. 3. 3: أحد نقوش آشوكا {Dupont-Sommer: Une nouvelle inscription araméenne d’Asoka}

في الوقت الذي تم فيه اعتماد الآرامية الرسمية كلغة دولية استمرت اللهجات العامية المحكية في مناطق سوريا وفلسطين وبلاد ما بين النهرين بالتطور، ولاحقاً وبشكل تدريجي عادوا للظهور في النصوص المكتوبة بعد سقوط الإمبراطورية الأخمينية.

2. 2. 4. التصنيف الداخلي:

يمكن تصنيف اللغة الآرامية تبعاً للتسلسل الزمني والإجتماعي والعوامل الجغرافية والخصائص اللغوية المشتركة كما يلي:

The internal classification of Aramaic arabic

الشكل 2. 2. 4. 1: التصنيف الداخلي للغة الآرامية {© ريمون وهبي}

يتألف الفرع الشرقي من اللهجات المحكية في شرق سوريا وبلاد ما بين النهرين وبابل وشرق نهر دجلة.
بينما يتألف الفرع الغربي من اللهجات المحكية في غرب سوريا وفي فلسطين.

ملاحظة 1: تحمل اللهجة التدمرية انتماءً مزدوجاً لكلا الفرعين ففيها خصائص من كليهما، لكنها تميل أكثر للفرع الشرقي.
ملاحظة 2: هنالك بعض اللهجات الأخرى التي بقيت غير مكتوبة.

الإختلافات بين الفرعين الغربي والشرقي:

كانت الإختلافات بين الفرعين الغربي والشرقي واضحة منذ القرن التاسع ق.م. ومنها على سبيل المثال:

  1. السمة المميزة لجميع اللهجات الشرقية هي استخدام اللاحقة الآشورية الأصل /ɛ̄-/ في حالة جمع الإسم المعرف المذكر. بينما حافظت اللهجات الغربية على اللاحقة الآرامية /-ayyā/ .
  2. تحولت سابقة الفعل المضارع للغائب المذكر /ي-/ في الآرامية القديمة والغربية الى /ل-/ أو /ن-/ في اللهجات الشرقية.
  3. فقدت بعض اللهجات الشرقية الحروف /ع/ و /ح/ ، واستبدلتها بـ /ا/ و /ه/.
  4. هناك بعض الاختلافات في المفردات، فمثلاً الجذور الشرقية <زدق، حزي، لثحت> تقابل الغربية <صدق، حمي، لرع>.

وازدادت هذه الإختلافات وضوحاً في النصوص المكتوبة بعد القرن الثاني ق.م بعد تراجع الدور الذي كانت تلعبه الآرامية كلغة دولية وتأثر كل لهجة بلغات أخرى مختلفة.

وكما هو واضح في الشكل 2. 2. 4. 1 فلم يبقى من الآرامية الغربية سوا لهجات معلولا وبخعة وجبعدين، والتي تعتبر وريثة لهجة السيد المسيح والأقرب إليها والى الآرامية القديمة لغوياً.
بينما بقي من الفرع الشرقي اللهجات المتوسطة الطورية (يتحدثها السريان) والشمالية الشرقية (يتحدثها الآشوريون والكلدان واليهود) والمندعية الحديثة (يتحدثها الصابئة).

Modern Aramaic dialects in their areas of origin

الشكل 2. 2. 4. 2: آخر اللهجات الآرامية الحديثة بحسب مناطقها الأصلية (الأحمر: غربية، الأخضر: طورية، الأصفر: شمالية شرقية، البنفسجي: مندعية) {© ريمون وهبي}

2. 2. 5. الخطوط الآرامية:

كما يختلف خط كل إنسان عن الآخر كذلك اختلفت خطوط النقوش الآرامية، فكل نقش يختلف بشكل بسيط عن الآخر. ومع الوقت والإنتشار الجغرافي الواسع للغة الآرامية وبالإضافة الى عوامل أخرى نشأت الخطوط الآرامية وتطورت.

Aramaic scripts of the main Aramaic dialects arabic

الشكل 2. 2. 5: أمثلة عن الخطوط التي كتبت بها اللهجات الآرامية الأساسية {© ريمون وهبي}

ملاحظات على الشكل 2. 2. 5:

  • تتشابه التدمرية والبابلية اليهودية وكذلك الحضرية (بنسبة أقل) مع النبطية والفلسطينية اليهودية في خطوطها، وكلهم يتشابهون مع الخطوط الآرامية الرسمية التي اشتقوا منها.
  • اشتق الخط الفلسطيني المسيحي من الخط السرياني اسطرنجيلا (كلمة يونانية الأصل تعني “المدوّر”)، والذي اشتقت منه أيضاً خطوط اللهجات المتوسطة والشمالية الشرقية الحديثة.

ريمون وهبي   07/07/2021

ماذا يمكنك القراءة الآن: